علي بن أحمد المهائمي

353

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وتشابه الصّور مثل قوله تعالى : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [ البقرة : 25 ] ، وليس هو الواحد عين الآخر فإنّ الشّبيهين عند العارف من حيث إنّهما شبيهان غيران ، وصاحب التّحقيق يرى الكثرة في الواحد كما يعلم أنّ مدلول الأسماء الإلهيّة ، وإن اختلفت حقائقها وكثرت ، أنّها عين واحدة . فهذه كثرة معقولة في واحد العين فتكون في التّجلي كثرة مشهودة في عين واحدة ، كما أنّ الهيولى تؤخذ في حد كلّ صورة ، وهي مع كثرة الصّور واختلافها ترجع في الحقيقة إلى جوهر واحد وهو هيولها ، فمن عرف نفسه بهذه المعرفة ؛ فقد عرف ربّه فإنّه على صورته خلقه ، بل هو عين هويّته وحقيقته ، ولهذا ما عثر أحد من العلماء والحكماء على معرفة النّفس وحقيقتها إلا الإلهيّون من الرّسل والأكابر من الصّوفيّة ، وأمّا أصحاب النظر ، وأرباب الفكر من القدماء والمتكلّمين في كلامهم في النّفس وماهيّتها ، فما منهم من عثر على حقيقتها ، ولا يعطيها النظر الفكريّ أبدا ] . ثم أشار إلى أن الترقي في المعارف الإلهية ليس بطريق الكسب المحتاج إلى الآلات حتى ينقطع بالموت ؛ بل بطريق الوهب ، وامتناع تكرر المتجلي يمنع بقائه زمانين ؛ بل غايته أنها تجليات متشابهة في الظاهر وبعضها أرفع من بعض ؛ فقال : ( ومن أعجب الأمر ) أي : أمر التجلي الشهودي ( أنه في الترقي دائما ) حال اختلافه واتفاقه ضرورة أن كل تجل ترقّ من أدنى إلى أعلى إذ إلى الأدنى يكون حجبا ، وإلى المساوي منعا للفضل الإلهي مع وجوب تحققه في التجلي الشهودي ؛ ولكنه قد ( لا يشعر بذلك للطافة الحجاب ) الكائن أولا ، المرتفع ثانيا ، وليست هذه اللطافة بمعنى أنه لطف بالمتجلى له ؛ لئلا تحرقه سبحات وجه المتجلي ؛ بل بمعنى ( رقّته ) ؛ لأنه لم يرتفع بذلك المعني . ( وتشابه الصور ) أي : الصور التجليات بحيث لا يعرف أنّ الثاني غير الأول ؛ فهذا التشابه في صور التجليات ( مثل ) التشابه في ثمار الجنة التي مبدؤها هذه التجليات ، وهو المذكور في ( قوله تعالى : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [ البقرة : 25 ] ، وليس هو ) أي : المتشابه ( الواحد ) بدل من هو ( عين الآخر ) ، وإن توهم عينيته ، فكذا في التجلي ( فإن الشبيهين عند العارف ) ، وإن اتحدا بحسب العين ( من حيث إنهما شبيهان غيران ) لامتناع تشبيه الشيء بنفسه ولا ينافي هذا مذهبه في التوحيد ، إذ ( صاحب التحقيق ) لا ينفي الكثرة بالكلية كصاحب الغناء ؛ بل ( يرى الكثرة في الواحد ) « 1 » فله أن يرى هذه التجليات

--> ( 1 ) قد يعنى بجمع الجمع شهود الوحدة في الكثرة ، وشهود الكثرة في الوحدة ، وهذا يسمى . الفرق الثاني .